محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
224
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
المعاد ، وكلا الطريقين يطلعان المستبصر على المعاد ، وذلك قوله : « بله ما أطلعتكم عليه » ، ومن اطّلع على المثال اطّلع على الممثول به ، ومن أبصر الظلال فقد أبصر الأشخاص . قوله - جلّ وعزّ - : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( 26 ) النزول [ و ] النظم روى السدّي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عبّاس ، وروى مرّة عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة أنّ هذه الآية نزلت في المنافقين ، وذلك أنّه لمّا أنزل اللّه تعالى المثلين في كشف أحوالهم ، وهما قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً الآيتان ، قالوا : اللّه أعلى وأجلّ من أن يضرب الأمثال ؛ فما هذا كلام اللّه ؛ فعلى هذه الرواية النظم بين ما سبق من الآيتين والمثلين وبين هذه الآية ظاهر ؛ وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس وهو قول مقاتل أيضا : أنّ اللّه تعالى لمّا ذكر في الكتاب العنكبوت والذباب ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام اللّه . فأنزل اللّه هذه الآية ؛ وقال عطاء عن ابن عبّاس : قال المشركون واليهود ما يصنع اللّه بضرب الأمثال وما للكتاب والعنكبوت والذباب ؟ وماذا أراد اللّه بذلك مثلا ؟ وعلى هذه الروايات الكلام مستأنف ، وقد تمّت الدعوة إلى التوحيد ونفي الأنداد والتعجيز عن معارضة الكتاب ليدلّ على النبوّة وصدق ما أخبر به عن أحوال المنكرين والمقرّين في العاقبة ؛ ويمكن أن يقال : إنّ من جملة ما أوجب لهم الريب في الكتاب « 1 » ( 96 آ ) ضرب الأمثال فيه ، امتحانا لهم وبيانا ، وهم ذكروه على وجه العيب ؛ فارتابت قلوبهم ؛ فأزال الشبهة عن القلوب ؛ فأنزل هذه الآية ؛ « 2 » وقال الربيع بن أنس : هذا مثل ضربه اللّه تعالى للدنيا وأهلها وذلك أنّ البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت ، كذلك مثل أهل الدنيا ؛ ومعنى ضرب المثل تشبيه الشيء بمثله ، والإنجيل كلّه أمثال ، وفي
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : النظم . ( 2 ) . في الهامش عنوان : المعاني .